الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
309
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الكثير من الآيات القرآنية ، إذ نقرأ على سبيل المثال قوله تعالى في الآية ( 155 ) من سورة النساء : بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا . ولكن هناك من يتذرع بشتى الحجج والذرائع لإثبات فكرة الجبر ودعم مذهبه في ذلك ، دون أن يأخذ بنظر الاعتبار بقية هذه الآية ، وسائر الآيات القرآنية الأخرى التي تفسرها ، بل يعتمد على ظواهر ألفاظ الآيات ويتخذها سندا لإثبات مقولة الجبر ، في حين أن الجواب على ذلك - كما أسلفنا - واضح بدرجة كبيرة . إن البرنامج التربوي للخالق جل وعلا هو أن يعطي لعباده الفرصة بعد الأخرى ، وهو جل وعلا لا يعاقب بشكل فوري مثل الجبارين والظالمين ، بل إن رحمته الواسعة تقتضي دوما إعطاء أوسع الفرص للمذنبين ، لذا فإن الآية التي بعدها تقول : وربك الغفور ذو الرحمة . لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب . فإذا كانت الإرادة الإلهية تقتضي انزال العذاب بسبب ارتكابهم للذنوب لتحقق ذلك فورا . بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ( 1 ) . فغفرانه تعالى يقضي أن يرحم التوابين ، ورحمته تقضي أن لا يعجل عذاب غيرهم ، إذ من المحتمل أن يلتحق بعضهم بصفوف التوابين ، إلا أن عدالته تعالى تقتضي مجازاة المذنبين العاصين الظالمين عندما يصل طغيانهم وتمردهم إلى أقصى درجاته ، وعندما يكون بقاء مثل هؤلاء الأفراد الفاسدين المفسدين الذين لا يوجد أمل في إصلاحهم ، عبثا وبدون فائدة ، لذا ينبغي تطهير الأرض منهم ، ومن لوث وجودهم .
--> 1 - ( موئل ) من كلمة ( وئل ) وتعني الملجأ ووسيلة النجاة .